رمضانيات “ياسر فتحي”: إن شاء الله!

| 11 يوليو, 2015

إن شاء الله

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:

“ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله”.
سورة الكهف: (23-24)

“إن شاء الله”… تلك الكلمات الرائعة تعكس حالة إيمانية وروحانية جميلة مع الله، فقط إذا ما استخدمت فى موضعها.

ولكن للأسف أصبحت تلك الكلمة الرائعة في مجتمعنا المصري والعربي، والتي تنم عن تأدب صاحبها مع الله “ظاهرياً”، أحد سمات التخلف وعدم الالتزام وإنعدام المصداقية في مصرنا المحروسة؛ وبالطبع هذا الشعب الخلاق لم يفوته أن يقدم تنوعات مختلفة منها تؤدي نفس غرض التسويف وعدم الإجابة بوضوح وصراحة مثل “ربنا يسهل ، ربنا يستر ، بإذن الله ، بأمر ربنا ، التساهيل على الله ، قول يارب ، وأيضاً هو حد ضامن عمره؟ “.

لقد أصبحت كلمة “إن شاء الله” تستخدم لتعني “لا” في أحيان، و”نعم” فىي أحيان اخرى، و”لست واثقاً” في أحيان ثالثة و”ربما” و “احتمال” في أحيان رابعة…. إلخ.

وهو ما يعني بأننا بدأنا نستخدمها فقط عندما نريد إعطاء إجابة غير واضحة بالقصد للسائل ولخدمة غرض قائلها فقط حتى يترك لنفسه كل البدائل مفتوحة ليفعل مايراه مناسباً دون الإضطرار للإلتزام بالقيام بعمل محدد يرهقه أو يضع عليه الإلتزام أمام من يسأله.

والنتيجة تكون بأنه لا شئ يتم في موعده أو بالطريقة المطلوبة “الصح” بعد ان شاعت ثقافة “إن شاء الله” بطريقة مغلوطة.

كما أن الشخص الذي يستخدم كلمة “إن شاء الله” بهذه الطريقة يخلق لنفسه دون وعي باباًَ خلفياً للفشل وعدم الإنجاز.

فإذا ما لم يتم إكمال العمل المنوط به بسبب تقاعسه وإتباعه الطريقة السهلة في اداءه وليس الطريقه “الصح” يكون المبرر والعذر جاهزاً، بل السيف الحاد الذي يقطع به الرقاب:

“ربنا ما أردش هنعمل ايه يعنى؟”

“النصيب كده! هنعترض على إرادة ربنا؟”

“أنت مش مؤمن ولا إيه؟ هتُكفُر؟!!”

وهكذا يستمر صاحبنا في الإنتقال من فشل إلى فشل ومن أداء متراخ إلى أداء أكثر تراخياًَ وبالطبع يتدهور مستوى حياته وحياة من حوله داخل دائرة تاثيره وهو يضع “المُسكن” لضميره كلما فشل بكلمة “إرادة ربنا”!!

قرأت ذات مرة فى كتب التراث هذه القصة:
عندما استعد الجيش في مصر لملاقاة التتار بعد أن أعد العدة وتم التدريب على القتال وتم وضع الخطط والاستراتجيات لملاقاة العدو الشرس، قام الإمام العالم المستنير “بن تيمية” بالإجراء الأخير المُتبع في مثل هذه الحالات وهو تحفيز الجنود ورفع معنوياتهم للدرجة القصوى قبل ملاقاة العدو مباشرة، فقام بالمرور بين الجنود وهو يردد عبارة واحدة بصوت يملؤه القوة والتصميم والإيمان:

اليوم سنهزم التتار
اليوم سنهزم التتار
اليوم سنهزم التتار

فرد عليه أحد الجنود قائلآ: “قُل إن شاء الله”!

فرد عليه العالم الجليل بنفس القوة: اليوم سنهزم التتار.. تحقيقاً لا تعليقاً. أي تحقيقاً بمشيئة الله وليس تعليقاً عليها.

دعنا الآن نحاول فهم الفكرة من أولها:
=====================
نحن جميعا نعلم، بل نؤمن، بأن كل نفس يدخل صدورنا ويخرج منها يتم بمشيئة الله وحده. لقد استقرت هذه العقيدة في صدورنا جميعاً وانتهى الأمر… حسناً؟

إذاً فنحن نعلم جميعاً إنه لم ولن يحدث شئ في الكون دون مشيئة الله… طبعاً.

ولكن دعونا نقول كلمة “إن شاء الله” فقط على الأشياء التي ننوي فعلها، فنحن في الحقيقة نوجه هذه الكلمة الى الخالق إعترافاً منا بربوبيته وعبوديتنا له، وعلى هذا النحو فهو شئ رائع ومطلوب. 

إذاً فلنقل “إن شاء الله” كلما هممنا بفعل شئ او إلتزمنا بأداء معين مطلوب منا وذلك تأدباً مع الله كما ذكرنا.

ومن ناحية أخرى، فإننا عندما نتعامل مع البشر ينبغي علينا أن نخاطبهم باللغه التي يفهمونها، أي أن نعطيهم الإجابة التي يسعون اليها لتنظيم شئون الحياة، وهي “نعم” او “لا” او حتى “لست متأكداَ”، ثم نتفاهم للوصول إلى نتيجة محددة وألا نترك الموضوع عائماً كما يروق لنا وحسب مزاجنا!!

ماذا يضرنا إذا كانت اجاباتنا على هذا النحو مثلاً: نعم بإذن الله سوف أحضر في الميعاد تماماً، أو نعم بالتأكيد سوف نحقق المبيعات المطلوبة إن شاء الله، أو لا لن أستطيع أن أشتري لك العجلة يا إبنتي هذا الشهر مثلاً! ولكنني بالتأكيد سأكون قادراً على ذلك الشهر القادم أو عندما تنجحين في الإمتحان مثلا إن شاء الله.

للأسف لقد اصبح كل من يتعامل معنا من الشعوب الأخرى المتقدمة يعلم هذه الحقيقة عنا تماماً حتى وصل الأمر في بعض الأحيان أن تُدرج هذه المعلومة في الدليل السياحي لمصر الذي تنشره تلك الدول في معرض حديثها عن “ثقافة الشارع المصري”، وتقدم النصيحة للسائح من مواطنيها الراغبين في زيارة بلدنا مصر بأن يحصل علي إجابة محددة عند التعامل مع المصريين، وبأن لا يقبل كلمة “إن شاء الله” وذلك بعد أن أساء المصريين إستخدام هذه الكلمة المقدسة!

إبدأ الآن “بمراقبة” أفكارك “بأمانة” في كل مرة تقول فيها “إن شاء الله”، وأنت في الحقيقة تنوي شيئاً آخر. قل “إن شاء الله” كما شئت، بل يُستحب أن تقولها ولكن بشرط أن تصحبها “دائما” بإجابة واضحة ومحددة تعكس ماتريد أن تفعله فعلاً… إجابة يفهمها البشر… بدون تسويف!

 
لمتابعة وقراءة “رمضانيات ياسر فتحي” على فيسبوك، يرجى زيارة المصدر أو الصفحة التالية:
www.facebook.com/yasserfathyguru
 
رمضانيات ياسر فتحي

الوسوم: , , , , , , ,

التصنيفات: أخبار, أخبار مصر, ثقافة, ثقافة ومنوعات
مصدر الخبر: ياسر فتحي

عن الكاتب ()

التعليقات مغلقة.